قصة قصيرة
" المقهى "
حين تناول _ عبد الراضى _ شطائره من يد البائع ابتسم ، ابتسامة الشاكرين .
آنتحى من المقهى أقصاه ، وفض ورقة الجريدة الملفوفة حول الشطائر ، نثر حبات " المخلل " حول " سندوتش " الفول ..... بسم الله قالها ، وقبل ان يهم بمد يداه أتاه النادل حاملا ً كوبا من الماء ،
قال ..تفضل .. روتينية هى ورفع النادل يداه الى مستوى صدره _ بشكل الى _ شاكراً .
قطم لقمته الاولى ومضغ بتأنى مستزيداً من مذاق الطعميه الساخن .
وقعت عيناه على خباراً بالجريدة ، يحكى عن فلسطين الباسلة ، وتكررت الكلمة فى راسه مرات ،
دون لسانه المشغول الان بنقل الطعام من جانب الى آخر ..الباسلة الباسلة الباسلة،سمعنا كثيرا عن فلسطين الباسلة والقسطنطينيه الباسلة وقرطبه الباسلة وعكا ويافا كلهن بواسل .
تبسم حين وقعت عيناه على خيال صورته فى المرآه _ أمامه _ يبدوا كما المفجوع .
الرجل الجالس بجوارها يرمقه ، ما ان تلاقات عينهما حتى فر الرجل بنظره بعيدا ً"دون استبسال "
كاد يضحك من هذا التعبير لولا ان سعال عاجله فشرب شربه من الماء ، هم بقطم لقمته الثانيه حين سمع همهمة عند مدخل المقهى ، رجلا ذو بسطة فى الجسد ووفرة فى الصحه يبدوا كما المصارع ، عضلات زراعيه البارزة من تحت أكمام قميصه ، وان بدت بطنه متدليه فوق حزام بنطاله البنى ، حيا المصارع الحضور بشكل جماعى ،
وردوا تحياتة فرادا ، منهم من قام واقفا رافعا يداه الى مستوى الراس ومنهم من ضمها فى مستوى صدره واخرون تصنعوا حال الوقوف مرددين جميعا ..صباح الخير يا معلم ...فهو صاحب المقهى
وما ان استوا الرجل على كرسيه حتى اتاه صبى القهوه بالشيشه ،
- صباح الخير يا معَلم...
- هو اللى يشفكم يشوف خير
قطعة من الفحم تهرب من الصبى المسكين فيعاقبه بدفعة رهيبة توقعه ارضا ..
يهرب عبد الراضى الى لقمته متصنعا انشغاله بفلسطين الباسله ..متلافيا تماما ان تتلاقه عيناه مع هذا الضخم
الفضول يقتله_ الان _ يود لو رفع عينه الى المعلم متأملا ً تلك الصلعه البيضاء اللامعه فوق الرأس الضخم ،
يتصنع البحث عن النادل ،يراه قابضا على الجريدة بيد من حديد يقراءها وعلى وجهه علامات الغضب والتى شعر منها عبدالراضى ان مصير هذه الجريده التمزيق لا مفر .
النادل يصب القهوه_ للمعلم _ فى فنجان مذهب ، قائلا ً صبحنا نادى يا معلم ياسيد المعلمين .
هناك رجلا ً وقورا _تبدوا على وجهه بشاشه الصالحين _قادماً فى تجاه "النصبه" يقترب من النادل هامسا ً
يرفع المعلم عيناه عن الجريده متسائلا .اى خدمه يا حضره
يلتفت اليه الرجل الوقور ، ويذهب النادل مسرعا ً، ابدا يا حاج انا كنت اسال عن رقم هاتف عبد الحميد السمسار .فلقد اعطنى النادل اياه بالأمس لكنه ضاع منى ،
المعلم بدون اكتراث للرجل ....لا منعرفوش ...شوفه متلحق على الرصيف اللى قدمنا ده ،
الوقور مندهشا من صلف الرجل وغلظته ...حضرتك انا سالت عليه لكنه غير موجود واريده فى امرا هام
وبدا نفاذ الصبر على الرجل الضخم ....انا المعلم صاحب القهوه وبقولك منعرفوش ...ولا اقولك
نعرفه ولن نعطيك اياه ..ايه راى سيادتك تمشى ولا ابهدل كرمتك هنا ، يمشى الرجل متعجبا ضاربا كف بكف .
يقطم لقمته الثالثه والاخيره حين يباغته المعلم ..موجها كلامه اليه .
..عالم معندهاش دم ، تلاقيح بعيد عنك ، عارف لو مكنش مشى كنت كسرت عضمه .
يبتسم _عبد الراضى _ مؤيدا كلام المعلم واماء براسه بهمهمه ....فعلا معندهوش دم
يود الان لو خرج من المقهى ...غير انه لم يشرب شئ بعد ...وعلى عجله يشير الى النادل ..فياتيه بكوب الشاى الساخن وان فاته ان يبلغه ان يكون السكر خفيف .. طعم السكر يضايقه يود لو قام تاركا الشاى والمقهى والشارع كله .فهذا الرجل لا تؤمن عواقبه وهو يجلس الى جواره تقريبا ..يود لو غير مكان جلوسه ..لكنه لم يفعلها.
يعود الرجل الوقور الى المعلم _ راساً _ موضحا اهميته اتصاله بالمدعوا عبد الحميد السمسار لامر هام
وفيرد المعلم بصلف .قلنا مش معنا ..لاء معنا ومش هدهولك ..اشتكينا فى القسم بقى .
يلتفت الرجل الوقور الى عبد الراضى مستنجدا عله يتوسط له عند المعلم
لكنه يشيح بوجهه هربا من هذا المأزق ...بماذا يتحدث ؟ وان لم يعجب قوله هذا المصارع فما مصيره وقتها .؟
تجاهل الامر تماما ً وكأن الوقور سأل شخصا من حجر ..ضايقته نظره اللوم فى عين الوقور
قام المعلم ...اقول قام واقفا... هذا العنتيل الضخم المصارع قام بكامل قامته دافعا الرجل الى خارج المقهى
وذهب الرجل منكسر الخاطر حزين ونظره اللوم تشمل الجميع .
تجمع رواد المقهى حول المعلم يطيبون خاطره بكلمات عن الصبر، ودعاه احدهم الى نطق الشهادتين والاستغفار
الحلم يا معلم ، الحلم سيد الاخلاق .
جلس المعلم .......
وكما المُعلم يشرح للرواد الوقوف بين يدايه كم البرود الموجود فى هذا الشخص وكيف انه اثاره واستثار براكين غضبه .
وجائت الطامة الكبرى ...ان المعلم يستشهد به
يشير الى عبد الراضى قائلا طيب وصحتك وعفيتك يا حضره انت مش سامع وشايف كل حاجه بنفسك ...واسقط فى يده وتوقف الكلام عند حدود شفتاه فلا هو صمت ولا تحدث بكلام مفهوم انما هى همهمه ..اثارت غضبه المعلم فاشاح بيداه ..انت اخرس ولا ايه ..جاتكم البلاوى زباين .
وصفق بيداه الكبيرتين ..يلا يا خوى انت وهو ، عايزين جنازه ..جاتكم البلاوى
وتبعه النادل دافعا الناس دفعا الى الجلوس والابتعاد عن المعلم
فدفع عبد الراضى بكوب الشاى فى جوفه دفعه واحده ..فرارا من الاسد
وذهب صوب المصارع الجلس عند الباب .
..كم الحساب ؟
..خمسه وسبعون قرشا
وضع يداه لاخراج الجنيه الوحيد عازما كل العزم على ترك الباقى حلاوه خروجه بالسلامه
فى الايمن كيس من المناديل الورقيه ، والايسر فارغ الا من ثلاث حبات من اللب الاسمر ،
أين ذهب الجنيه الوحيد ؟ ماذا سيفعل به المصارع ان اعلن عن ضياعه ؟ ما مصير ابناه من بعده ؟
نظر الى المعلم المشغول بقرأه الجريده ..وبدت على وجه النادل ابتسامه صفراء .
فبكى عبد الراضى ، مستبسلا ً.
انتهت ،،،،،،،،،،،النمسا 23/11/2007
عبدالعزيز أبوالفتح