القاهرة 1987
صوت المؤذن يرفع آذان الفجر والسماء ترسل أمطار ديسمبر فى جو من البرودة ..يمشيان فى اتجاه المسجد متفاديان برك الماء .. تخرج الأنفاس دافئة صانعة سحب من بخار الماء ،احدهما أسمر نحيف متزن فى حركته كما هو فى رجاحةُ عقله .. والآخر مفرط فى سمنته مترف فى مشيته .. يشتركان فى أمور عدة ,,جيران منذ سنوات عمرهما القليلة _طلاب فى الإعدادية _تأكلهم شهوة المراهقة ، ويجمعهما الصمود أمامها ,, يلتقيان فى اليوم خمس مرات ..بينهما سباق محموم حول من منهما يذهب فيدعو الآخر للصلاه,, فيأخذ الاجر مرتين .
يحذرهما صديق ..من العيون التى تنتشر بين المصلين ، لإبلاغ الأمن عن كل مواظب على صلاه الفجر ،يستشعران برودة الصباح فيرتجف السمين ، ويبتسم الأسمر ...لعل العيون تنقل بصدق ، فلا يصيبنا أذى شمل الكثيرون فى الآونة الأخيرة ، نحن فقط نصلى !!.
عند صلاة الظهر وقف السمين إماماً فلقد سبقه النحيف للآذن ، ولا الضآلين آميــــــــــن تفتكر ممكن يقبضوا علينا ؟.. يبتسم النحيف.. يرتجف المترف ويذهب ,
يغلق النافذه المطله على الطريق ..يراه واقفا هناك ، إنه صديقه الأسمر كان معتقلا من قبل الأمن وخرج منذ أسابيع حذره الاصدقاء من الإقتراب منه فلقد أصبح مرشدا للأمن عين على أصدقاء الأمس ، هل سأله المحقق عن صداقتهما ؟ هل قال لهم أنه يكره الحكومة ؟ هل قال لهم أنه يصلى الفجر ، .. لعله عُذب فلم يحتمل ، من منا يحتمل ؟..فيرتجف المترف من برودة المساء ,
يرتدى المترف ملابسه الشتوية ويضيف إليها قميصه الصوفى الثقيل ..قد يأتون إليه فجراً.. لم يعد يصلى الفجر منذ اعتقلوا الأسمر ،
سمع النداء إنه _الأسمر_ يناديه ، يكرر النداء ..فيخرج اليه ..يحتضنه ويسأله عذبوك ؟..فلا يجد تلك الإبتسامه بل دمعه حائرة ونظرة شاردة ..لم يجبه ، فقط نظر إلى طين الأرض ومضى فى طريقه للمسجد ووراءه المترف متفاديا برك الماء ، ويصوت المؤذن يرفع الآذان للسماء ..والسماء ترسل أمطار ديسمبر. |
17 مايو 2008
-
ليالٍ شتوية وعُمْر متجمد .
ألكل عام فيها حكاية ؟
ولكل حكاية فيها ضحايا ؟
ولكل ضحية كرامة تطؤها أقدام رجال الأمن ؟
أي أمن هذا الذي يرعب الآمنين ؟!!
::: ::: :::
القاهرة 30 ، القاهرة 87 ، القاهرة 2008
ومن هَم لهَم يا قلبي لا تحزن
::: ::: :::
عزيزي أبو مازن ..
قرأت مجموعة قصصك كلها
وقرأت بين سطورها اسم كاتب متميز
بأفكار عميقة المعنى وأسلوب بسيط
شرفني فعلاً أن أكون من قرَّائك
أجمل تحية
هدوء ،