رشح الحنين
هكذا عرفوا الخبر ..
واندهش كل واحد منهم على طريقته، مصمص شفتيه في أسى، وسكب ماء لومه على ملابس صديقه، أو جاره ، ذلك أن غيابها لم يلفت نظره، وألقى بتبعة عدم انتباهه على الانشغال، والجري وراء لقمة العيش، أو المرض ومشكلات الصغار، لم يتوقف أحد عند المزيرة بجوار بابها ليكتشف أن الزير جف، وأن الصبية أضاعوا الغطاء، وألقوا السطل بالقرب فانثنت حوافه، وأن ورق شجرة الكافور العجوز سقط في جوف الزير واستقر، ولا انتفاء وجودها –كعادتها- في مجمع النسوة بالقرب من ضفة النهر أول أمس ، منذ ظهور البدر في مركبه الفضي، يعبر صفحة السماء ملوحا لهن، وملهما بأغنيات العشق، وترنيمة شوق، ولا انتهاء أمسية الحناء الخاصة بآخر عروس في القرية دون ظهورها،على الرغم من دورها المخولة به في كل عرس ، تدعوها أم العروس للدخول ، تغطي الفتاة بـ "الـدلكة· " الساخنة لينتفخ الجسم ويشمر عن احمراره، أو تعجن الحناء وتسويها في صينية مستديرة، تشعل الشموع وتطلق الزغرودة مجلجلة ، ليس في القرية كلها امرأة غيرها قادرة على تثبيت صينية الحناء فوق رأسها والرقص بها ، وتركها هكذا ثابتة والتصفيق بيديها ، لتنطلق الأغنيات المحفوظة عن الجدات في الذاكرة ..
لم يعرف أحد أبدا ، كيف تنشق الأرض وتظهر ، تقول حينا إنها عبرت فوق عدة أسطح لتصل، وكيف كادت أن تسقط عدة مرات، إذا داست دون قصد قشـًا أشيب كلل سقف هذا السطح أو ذاك ، أو كيف قفزت من الحائط المتهدم بنهاية الحوش، لتختصر المسافة ، تاركة جزءًا ممزقـًا من ذيل ثوبها المهلهل من كثرة الاستعمال بين شقوق الجدار، يرفرف مع نسمة هواء، أو يحترق تحت لهيب شعاع، كانت نحيفة وطويلة كنخلة سامقة ، تطرح بلحها كل موسم، ولا تحزن من حجارة الصبية المتربصة بعِذْوقها، تسحب انتباههن بنشاطها وحيويتها ، دبساء لا شيه فيها، تشمر عن يدين معروقتين لفحتهما شمس حامية ، جسدها كرغيف خبر تنضح منه رائحة النضج ، تسري في الأرجاء كواحدة من سيدات الدار ، ترفع الحصر عن الأرض وتمشطها بـ "سباطة "نخل جافة ، وترش المياة وتستعد لعين الحسود بإطلاق البخور والتعاويذ في الجهات، أو تشمر عن ساعديها، لتعجن الدقيق وتدس العجوة في كل قطعة ، تاركة الشمس تباركها فيزاداد حجمها ، أو كيف لا تغضب إذا نسيت النسوة المتجمعات للمساعدة في عرس ما دعوتها للغداء، وتحلقن دونها حول الأطعمة الشهية ، بينما هي في مكان قصي ، تجمع الحطب وترصه في بطن الفرن ، وتبحث في عتمة الغرف عن عود ثقاب .
لم يلحظ أي من الرجال الثلاثة غيابها ،ذلك الرجل الذي نهب الأرض في زمنها الأول، وترك آثار قدميه وراءها، يريد قطف قبلة من مياسم أصابعها أو تويج عنقها، ولا الذي كسر لها الجَرّة ، وهو يقبض على طرف ثوبها محاولا احتجازها بين عشب صدره والجدار، ولا من قفز ليلا فوق سور بيتها المهدم ليتلصص على انحناءة خصرها، ويلوذ بميس قدها وهي مضجعة على جنبها في غفوة قصيرة، فسقط في وعاء المياه الساخن فوق الـ "كانون· " وكتم ألمه الصارخ خشية افتضاح أمره، هش الجميع على غيابها بمذبة التجاهل، وانخرطت النسوة في الغناء عند النهر، وأدبرت الأمسية دون ظهورها ،وكم أمسية أدبرت بدونها !!
ذكرن كل ما عرفنه عنها في جلستهن، وحيدة منذ رحيله، حمل صرة ملابسه ولوح لها بشاله الصوفي العث، وعدها بالعودة بعد أن يرتب حالة، وقفت تنظر للمركب وهو يبتعد، ينحدر مع النهر ويختفي القلع في المدى، و دمعاتها قطرات تتسابق للسقوط، ويداها مجدافا مركب مثقوب، وطرحتها شراع انتفخ حزنا، ثم اعتدن على رؤيتها وحيدة، صبرنها ودعونها لمجالسهن، انغرس بعض الرجال أمام بيتها حينا، لكنها لم تستظل بأحد منهم ،ولم تبل ريق شوق أحدهم، فانثال صمغ صمتهم مطبقا، ورحلوا .. تاركين الدبساء رائحة لم يتعطروا بها ..
تجلس في الصباح أسفل شجرة الكافور العجوز، مستأنسة بالعابرات، تمد حديثها سماطا، تختفي في المغارب ، ينزلق رتاج الباب في الِمغْلاق ، وتستقر قبة السكون فوق بيتها الوحيد قرب الخلاء ، ولا يعلو سـوى صوت حفيف الأغصان في الأعالي .
في ذاكرة كل منهم مشجب ، علقت عليه بعضا منها، لا يتعب لسانها من زغرودة تطلق بدايتها عند باب العرس وتنتهي منها في عمق الدار، ولا تبخل بصراخها في ميتم ، فتفرد منديل النحيب أمامها، تسدل طرف طرحتها ، وتدندن بكلماتها المنظومة ،التي لا تعبر سوى عن حزنها الدفين وحده، فتنصت النسوة ، ويشتد الوجيب .
هكذا عرفنها ، لا يستدعيها أحد، بل تظهر فجاة، ولا يبقيها أحد، تختفي وقتما تشاء، لكن لوجودها هدير ساقية صاخب في أمسيات الري المقمرة.
كيف لم يشك أحد في مصدر الرائحة التي انبعتث قرب بيتها ؟؟ ربما خمن أحدهم أنها لجيفة حملها النهر واستقرت بالقرب ،أو ملقاة في الحلفاء عند مبتدأ الزراعات، ولم يهتم بالتأكد من صحة تخمينه، وعبر آخرون دون أن تستوقفهم الرائحة أبدا، ولم يعرف أحد من الذي اكتشف موتها أولا ، بل كلما توافد واحد وجد أحدا قد سبقه ، امتلأ فناء بيتها على آخره، وتقدم أحدهم بعد أن كمم أنفه ليخرجها من الغرفة الوحيدة المتقوقعة بالفناء المكشوف، واستعانوا بجلباب الغائب لتغطيتها، لام كل منهم الآخر، وعزا كل منهم إهماله إلى انشغاله، وضيق وقته، وتساءل البعض ربما لأول مرة عن أقرباء لها في البلدة أو في البلاد المجاورة، أو عن أبناء شقوا الجهات بحثا عن رزق، وتذكروا الغائب منذ سنين ، وغضب بعضهم من نفسه ، لأنه لم يفكر يوما أن يحضر لها شيئا تحتاجه، أو يسألها ، من باب حفظ الود ، أو إبداء الشهامة ، عن شيء ينقصها ، ترحموا عليها ثم حملوها ودفنوها عند تل الميتين ، وبالقرب من شجرة النبق الوارف ظلها، ومالبث ندف الزهر الأصفر أن غطى القبر والشاهد وآثار الأقدام.. واجتمعت النسوة في وقت لاحق ، واكتشفن أنهن لم يزرنها أبدا في بيتها ، بل قالت امرأة إن الدبساء عانت ألما في آخر ظهور لها ، لكن المرأة لم تربط بين غيابها وآلامها الأخيرة ، فالدبساء لم يكن يغيبها مرض ، ولم تتوقف عن قطع الطريق تحت هجير الصيف ، تحمل حذاءها تحت إبطها، وتخضب قدميها بغبار الطريق ، ويجرجر الحطب الرفيع بطرف بردتها ·، كما لم يوقفها زمهرير الشتاء ، بينما كلاب السكك تقبع قرب العتبات ، متلفعة بخيمة أنفاسها الدافئة من ريح تشطر الهواء، لم تتأخر عنهن في مطلب، ولم تصمت حيال مشورة، أصلحن الأرضية وبسطن الحصر، وملأن المزيرة ، حُكيت بعض القصص عنها ، وذرفن دمعات قليلة ، ثم رحلت كل واحدة منهن ، بعد أن أبدين أسـفا قائلات :
-"لو عاد الزمن للوراء .. لاستفسرن عن غيابها الأخير ، ولزرنها في بيتها ".
تم إغلاق الباب ، مازالت أوراق شجرة الكافور تتساقط مع كل هبة ريح ، تتراكم في المكان وأمام الباب ، وفي فناء الدار ، محـدثة صوتا كرشح الحنين .
-------------------------------
-------------------------------------------------------------------
المصدر .. مذيد من التعليقات
|
4 يونيو 2008
-
قصة حزينة ولكن
أعجبني هذا السطر
ويداها مجدافا مركب مثقوب، وطرحتها شراع انتفخ حزنا،
مايهم انها بالتأكيد حدثت في زماننا هذا الذي قل فيه الخير والرحمة في قلوب البشر فلم يعد يلتفت أياً منا للمحتاج أو الوحيد في دنياه أو الجار العجوز
نشكرك على إختياراتك الموفقة
دمت بخير